علّموآ أولآدكم أن يقولوآ : لآآآ !!

علموا أولادكم أن يقولوا لا

حين عاد الأب من السفر بعد عامين من الغربة، وجد إبنته الوحيدة ذات الإثني عشر عاماٌ قد تغيرت و لم تكن مراهقتها كما تخيل أو توقع، وجدها هادئة قليلة الكلام، لا تطلب أي شيء، و لا تعترض علي أي شيء، تضحك قليلا، لا تبك، فتوجس خيفة مما قد يكون قد أحدث مثل تلك التغيرات بإبنته، فوقف يوما أمام محل عصير هو و أولاده فسألها ماذا تريدين؟، فقالت لا شيء، فإشتري لولديه الآخرين ما طلبا، و تعجب منها، فقال لها يا بنيتي، أطلبي ما تشاء، فطلباتك كلها مجابة، فإن لم تطلبي مني ممن ستطلبين إذن، لا تخجلي مني، فقطبت حاجبيها و قالت أن لا أريد شيئاٌ و لسان حالها يقول لا يوجد ما يستدعي هذه المحاضرة، و مرة أخري سألهم إلي أين تريدوا أن تذهبوا للفسحة فقال كل واحد مكان، إلا هي، قالت: لا أعرف أي مكان يسعدكوا، لا مشكلة عندي

– فحينها جلس الأب مع إبنته و سألها: لماذا لا تتمردين؟

– فنظرت في عجب: علام أتمرد

– فقال الأب: علي أي شيء، فأنت في سن المراهقة و هذه سن التمرد و الإعتراض علي قرارات الأهل

– فأجابت: أنا قررت ألا أتمرد و ألا أعترض، و أصبح الإبنة التي يتماناها أي أب و أم، إبنة مطيعة جداٌ تقول حاضر دائماٌ، لا تعترض و لا تخالف لوالديها أمرا أو رغبة

فحزن الأب حزناٌ عميقاٌ و قال لها: يا بنيتي يجب أن يكون توازنا في كل شيء، فكما نقول نعم يجب أن نقول لا، و كما نضحك نبكي، هذا هو حال الإنسان فطره الله علي هذه الشاكلة

فأجابت الإبنة: و لكن ما جدوي الإختيار أو قول لا، ففي النهاية سأنفذ ما تريدون، فأنتم الأب و الأم و سواء بإرادتي أو رغما عني سأرضخ لرغباتكم، فلم التعب إذن، و لم العناد، و لم حتي التفكير، فما جدوي الإعتراض و قول لا، بل الأفضل لي أن أطيع و أنا مغما عيناي حتي لا أشعر بالحسرة أو تمني ما ليس لي من البداية

فقال الأب: لا، يجب أن تتعلمي أن تقولي لا و أن تعترض علي ما لا ترضين، و أنت تقولي رأيك و تناقشيني و أناقشك إما أن تقنعيني و إما أن أقنعك، و الأمر الذي نتفق عليه هو الذي ننفذه سواء كان هذا رأيي أو كان رأيك في البداية، أنا لا أقهرك أو أستبد برأيي، و أنا لا أقبل أن تكون إبنتي إنسانة سلبية إمعة لا رأي لها و لا شخصية

فتعجبت الإبنة بشدة من حديث والدها، و قالت: حضرتك عجيب، فأي أب في الدنيا يتمني أن تكون له إبنة مطيعة هكذا، لا تجادل و لا تحاور و لا تناقش، بل مريحة و مطيعة، لا تنبس بكلمة غير حاضر و تنفذ رغباتهم، أما حضرتك فتطلب العكس، تطلب التعب و المناهدة و قلة الأدب

فقال: لا، أطلب أن تعرضي رأيك بأدب لا قلة أدب، أطلب أن تكون لشخصيتك خطوط عريضة و أن تنحتي لنفسك شكل و إتجاه، أنا أرفض أن تكوني ضعيفة مقهورة و مغلوب علي أمرك، فالمؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف و كلاهما مؤمن، و قال رسول (ص ):”لا يكن أحد منكم إمعة”، أي تابع، لا شخصية له، فأنا أطمئن أكثرحين أعلم أن إبنتي قوية، تعرف غاياتها و طريقها، تعرف أن تقول لا علي الشيء الذي لا يعجبها، فأنا قد ربيتك علي القيم و الأخلاق و أعلم أنك تستطيعي أن تحددي الصح من الخطأ، و لكن إذا لم تقولي لي لا علي ما لا يعجبك فهذا معناه أنك سترضخين لأي أحد يسيطر علي حياتك و ستكوني إمعة، تابعة، تبحثين عمن يقود لك حياتك ويسيرك كيفما يشاء مثل العروسة المارينت، رهن إشارته و في غاية الطاعة و الإستسلام و الرضوخ، و ستجعلي من نفسك فريسة سهلة لأصدقاء السوء، و سيكون غايتك أن تبحثي عمن يقهرك لتعيشي دور الضحية، و هذا ما لا أقبله أبدا، أنا لست من هؤلاء الآباء الذين ينظرون فقط تحت أقدامهم، و يبحثون عن الراحة المؤقتة و لا يريدون وجع الدماغ، كلا أنا أبحث عن التعب فهذه هي التربية، أريد إبنة قوية محددة المعالم، لا تخاف و لا ترضخ، أنفها شامخ  في السماء، و متماسكة كالجبل إنهيارها صعب جدا، لا ضعيفة متراخية متكاسلة، أريد إبنة لها رأي حكيم، تعرف كيف تفكر و كيف تدافع عن أفكارها و أحلامها و أهدافها و نفسها، لا إبنة مائعة لا لون لها، تذهب مع من يجذبها. فذلك يطمئني أكثر، إن قلت لي لا علي ما لا يرضيك عن نفسك ستقولي لا و تغيري دفة حياتك للطريق الصحيح المشرف و سأطمئن أنك إذا طلب منك أحد الأصدقاء أي شيء خطأ ستعرفي أن تقولي لها لا و لا تطيعيها فيما تفعل بل ستنصحيها و تكوني من الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر، فتكوني قبلة للخير و رمزا للنبل مع القوة و الصلابة في الحق مع اللين في النصح، فهذه هي الإبنة التي أفتخر بها، لا الإبنة الضعيفة المنكسرة المستكينة، نعم أريدك مطيعة لي و لكن بإرادتك و أن تكوني مقتنعة بما تفعلين، تفعلين الشيء لأنك تريدي أن تفعليه و الرغبة تكون نابعة من داخلك لا لأني قلت ذلك.

فردت الإبنة: و لكنك أنت الأكثر خبرة و صاحب الرؤية الأبعد و الأكثر حنكة، فإذا أردت أنا شيئا و إعترضت أنت عليها فبالتأكيد أنت الصح و أنا الغلط لأنك أبي فأنت أكثر إنسان يخاف علي و لا تريد لي سوي الصلح فلم الإعتراض إذن و لم الإختيار و ما دام لا يوجد إختيار إذن لم التفكير

فأجابها الأب: كل ما قلتيه صحيح ما عدا أني دائما علي حق، فأنت من جيل و أنا من جيل آخر فأنت أعلم بزمنك مني و تحديات حياتكم أصعب بكثير مما كنت أنا أواجهه و ربما أن الأكثر حنكة و خبرة الآن و لكن حين تصبحين أنت في مثل سني الآن تكوني قد تعرضت لخبرات أكثر مني تجعلك أكثر حنكة و حكمة و خبرة مني، و هذه هي حياتك أنت من سيعيشها و يذيق حلوها و مرها ليس أنا، فأنا قراري يجب أن يكون إستشاري فقط لا يجب أبدا أن تتركي أحدا يأخذ لك قراراتك مهما يكن هو، يجب بل لابد حتما أن تفكري و أن تفتحي عينيك و أذنيك و أن تسمعي آراء كل من حولك لتلمي جوانب مختلفة فربما رأي أحدا جانبا أنت لا تعرفيه و لكن في النهاية يجب أن تفكري جيدا جدا قبل أن تقرري، فأنت هو من سيتحمل عواقب القرار، فالقرار يجب أن يكون قرارك، فدائما هناك إختيار و قرار و أهم شيء أن ترفضي فعل ما لا يرضيك، فلا أعلم بحياتك من البشرغيرك، و إستخيري الله في كل شيء، فالرسول(ص ) كان يستخير حتي في حبة الملح، فلنتفق الآن علي أن تفكري و أن تناقشيني لأعلمك كيف تقيمي الأشياء و كيف تستطيعي أن تنظري من جوانب متعددة لتلمي أطراف أي قضية أو مشكلة، و أن أعلمك كيف تحكمين علي الناس من كلامهم و تصرفاتهم

فترد لاإبنة: و لكني أخاف أن أخطأ التفكير و القرار

فإبتسم الأب و قال: لا تخافي فهذا أمر طبيعي، الإنسان يتعلم من الخطأ، ليس عيبا أن نخطأ و لكن العيب أن نكرر الخطأ، يجب أن نقع في الخطأ لنعرف الصواب، نحن علينا الحذر و لكن إذا ذللنا للخطأ بعد توخ الحذر فلا عيب في ذلك و يجب أن نحلل لماذا أخطأنا حتي لا نقع فيه مرة أخري، و أنا أهتم بالخطأ أكثر من المنفعة لأنه اذا فاتتك منفعة فلا ضرر في ذلك إنما الخطأ قد يولد الضرر، هل إقتنعت؟

فأجابت الإبنة: نعم، و سأعمل علي ذلك إن شاء الله

و منذ ذلك الحين و الأب يعمل علي ترسيخ هذه المباديء مع إبنته، بل أضطر في باديء الأمر أحيانا أن يضغط عليها لتنفجر و تقول بعلو صوتها لا، و يوم أن فعلت ذلك أراد أن يكافئها علي شجاعتها، فأخذها للصائغ فقالت:لا

فتتعجب الأب ففسرت الأبنة: أنا لا أحب الذهب لا أحب الأشياء التي إذا ما ضاعت تحسرت عليها و تمنيت لو لم أشتريها من باديء الأمر

فتبسم الأب من إبنته و قال: يجب أن تتعلمي أن تحافظي علي ما تحبين، و أن تبذلي جهدا لذلك، فإن فعلت ذلك و ضاع الشيء فلا تحزني و لا تتحسري فسيكون ذلك هو قدره و لم يضع تقصيرا منك، و هذا هو المهم ألا تقصري في واجبك و يجب أيضا أن تقدري الشيء حق قدره فلا تحزني علي شيء التافه فيشغلك ذلك عن أشياء أهم بكثير

و سكت الأب و جذب يد إبنته إلي داخل المحل و قال إختاري ما شئت و إعلمي أنه لو ضاع لن ألومك فهذه أشياء ملموسة و مادية و تافهة مهما غلي ثمنها المه لا يكون غائرا في القلب ، المهم ألا تضيعي الأشياء الغالية بذاتك و بحياتك فهناك أشياء لو ضاعت ضاعت معها الحياة كلها تلك هي الأشياء التي تريد حرصك و عنايتك.

و في النهاية و بعد مرور عدة سنوات علي تلك الأحاديث، حدث يوماٌ أن العائلة بأسرها كانت تريد الخروج للفسحة و لكن رفض الأب دون إبداء أسباب و هرب من المحايلة بالدخول للإستحمام، فخرج ليجد الإبنة و أخيها الصغير يقفون أمام باب الحمام و قد لصقوا ورق علي صدورهم و ظهورهم و علي حوائط المنزل و وقفوا يهتفون بما كتبوا: لا للإنفراد بالرأي، لا للقهر، لا للإستبداد، لا للدكتاتورية، لا لفرض الرأي، عايزين نخرج

فضحك الأب علي غير توقع الأم و الأخ الأكبر، فالأم ظنت أنه سيغضب و توقع الأخ الأكبر أنه لا فائدة و أن الأب سينفذ قراره حتما لا محالة و لن يغير ذلك من الأمر شيئا و لكن علي غير المتوقع ضحك الأب و قهقه من قلبه و قبل الإبنة و الأخ الأصغر و قال: فكرتوني بمظاهرة فلاحين جنوب إنجلترا، و سأل الإبنة :إلي أين تريدين الذهاب، سنذهب إلي أي مكان تختاريه و سعد جدا و إفتخر بابنته لأنها تعلمت أن تقول لا.

 

من مقتطفـآت : إنجي فودة ~

ممّـآ أعجبني (: .. ♥ ~

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s